خطى من نور: "ذكرى" تنبت الأمل من تحت ركام الحرب
عدد المشاهدات
10
2026-08-20 03:43:03
في قرية بيت عكيش الريفية بمديرية حيس، عادت الفتاة اليمنية "ذكرى" ذات الأربعة عشر عاماً مع أسرتها من رحلة نزوح قسري مريرة استمرت ثلاث سنوات، ظانةً أن أقسى فصول المعاناة قد انطوت. لكن الحرب كانت تخبئ لها فصلاً أكثر قسوة؛ فبينما كانت تحاول استعادة طفولتها المفقودة في محيط منزلها المتواضع، انفجر لغم أرضي من مخلفات النزاع ليغير مجرى حياتها في ثانية واحدة.
نُقلت ذكرى إلى المستشفى بين الحياة والموت، لتستيقظ على واقع مرير تمثل في بتر ساقيها بالكامل. دخلت الفتاة في صدمة نفسية عميقة وإنكار حاد، حيث كانت صرخاتها المطالبة باستعادة ساقيها تلخص حجم المأساة. ورغم تركيب أطراف صناعية لها لاحقاً، إلا أنها لم تمنحها الاستقلالية، وظلت حبيسة الفراش والاعتماد الكلي على والديها لأكثر من عامين، حتى تسلل اليأس إلى قلبها الصغير وباتت فكرة إنهاء حياتها تراودها للتخلص من عجزها المفروض.
بدأ الأمل ينبت من جديد حين اصطحبها أحد أقاربها إلى المساحة الآمنة للنساء والفتيات في مديرية حيس. لم يكن المكان مجرد مركز لتقديم الخدمات، بل كان بيئة إنسانية مجهزة هندسياً بممرات خاصة بذوي الإعاقة لتسهيل حركتهن وإدماجهن، مما أشعر ذكرى منذ اللحظة الأولى بالانتماء والكرامة. هناك، استقبلها فريق المساحة بمساندة واحتواء كاملين، لتنطلق رحلة تعافيها عبر مسارين متكاملين امتزج فيهما الدعم النفسي بالتمكين العملي.
تجسد المسار الأول في تقديم دعم نفسي مكثف من خلال جلسات فردية متخصصة ساعدتها على تفريغ حزنها وتجاوز الصدمة، وبناء جسر من التصالح مع ذاتها، بالإضافة إلى الاندماج في أنشطة جماعية أخرجتها من عزلتها. وتكامل هذا الدعم مع مسار التمكين الاقتصادي وسبل العيش، حيث أُلحقت ذكرى ببرنامج تدريبي متخصص في صناعة الصابون، كخطوة عملية نحو الاعتماد على الذات وتحويلها إلى فتاة منتجة ومؤثرة في مجتمعها.
ولم يتوقف التدخل عند حدود الدعم النفسي والمهني، بل قادت المساحة جهوداً تنسيقية متكاملة لضمان استدامة الأثر وإعادة دمج ذكرى في الحياة العامة. شملت هذه الجهود توفير كرسي كهربائي متحرك يمنحها حرية التنقل والاستقلالية الكاملة داخل وخارج المنزل، بالتوازي مع تنسيق عودتها إلى المقاعد الدراسية بالتعاون مع مكتب التربية والتعليم وإدارة المدرسة المحلية لمواصلة تعليمها. كما امتدت الرعاية لتشمل الحماية القانونية بالتواصل مع صندوق رعاية وتأهيل المعاقين بالمحافظة لاستخراج بطاقة شخصية تضمن حقوقها القانونية والرسمية.