غزل الأمل: ثلاثينية من حيس تحوّل المعاناة إلى كرامة لبناتها الخمس

عدد المشاهدات 15

في أزقة منطقة "السوق" بمديرية حيس، تختزل ملامح امرأة ثلاثينية حكاية جيل كامل من الفتيات اللواتي حُرمن من طفولتهن؛ إذ حاصرها الزواج المبكر وهي طفلة، وصادر حقها في إكمال تعليمها. ومع مرور السنوات، أصبحت أماً لخمس بنات، فحملت في قلبها عهداً صامتاً بأن تنال صغيراتها ما حُرِمَت منه هي، وأن تراهن يوماً على مقاعد الدراسة يحملن أقلامهن بثقة ليرسمن بها مستقبلاً أفضل.

لكن الواقع كان يفرض شروطه القاسية؛ فبين زوج ينهشه العجز والبطالة، ومنزل عائلي متهالك يفتقر لأبسط مقومات الحياة الأساسية، وجدت الأم نفسها مجبرة على الاعتماد على مساعدات عمها لتأمين قوت يوم بناتها. هذا الاعتماد شكّل عبئاً نفسياً ثقيلاً، وأغرقها في دوامة من التوتر والقلق الدائم والخوف من مستقبل مجهول يهدد صغيراتها، لكنها رفضت الاستسلام، وقررت أن تخطو خطوتها الأولى نحو التغيير عندما سمعت عن "المساحة الآمنة".

التحقت الأم بالمساحة الآمنة للنساء والفتيات في حيس، لتمر برحلة تحول مدروسة قامت على مسارين متكاملين أعادا صياغة حياتها وحياة أسرتها. تمثل المسار الأول في جلسات الدعم النفسي الفردي والجماعي التي كانت بمثابة طوق النجاة، حيث ساعدتها على تفريغ الضغوط المتراكمة لسنوات، واستعادة ثقتها بنفسها، وتحقيق الاستقرار النفسي الذي أهّلها لمواجهة التحديات بروح جديدة ومتفائلة.

وتكامل هذا التعافي النفسي مع مسار التدريب المهني والتمكين، حيث اختارت بقناعة قسم "صناعة المعجنات"، وأظهرت شغفاً كبيراً في التعلم واكتساب المهارات العملية حتى أتقنت المهنة تماماً. وفور انتهاء التدريب، تم تمكينها بأدوات ومستلزمات الإنتاج من خلال حقيبة التمكين الاقتصادي، لتبدأ مشروعها الصغير من قلب منزلها المتواضع بإنتاج نابع من الإصرار والكرامة.

لم يكن المشروع مجرد مصدر للدخل، بل تحول إلى ملحمة أسرية دافئة؛ حيث تولت ابنتها الصغرى مهمة بيع المنتجات في الحي، في مشهد إنساني يجسد قيم التعاون والدعم المتبادل داخل الأسرة. ولم يتوقف الطموح عند حدود الحي، بل توّجت الأم نجاحها بالمشاركة المتميزة في البازار السنوي لعام 2025م لعرض منتجات المستفيدات من المساحة الآمنة، حيث لاقت معجناتها استحساناً وإقبالاً كبيراً من المجتمع المحلي، مما شكل دفعة اقتصادية ومعنوية هائلة للمشروع.

أثبت هذا التدخل الإنساني المتكامل فاعلية النهج الذي يربط بين المساندة النفسية والتمكين الاقتصادي، محققاً نتائج ملموسة برزت في التعافي النفسي والاجتماعي للأم واستعادتها للتوازن الإنساني، والوصول إلى الاستقلال المعيشي من خلال تحسين الدخل الأسري وتأمين الاحتياجات الأساسية وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. كما ساهم هذا التدخل في تعزيز صمود الأسرة وتمكين الأم من التخطيط بثبات وتأمين مصاريف تعليم بناتها الخمس، ليبقى قلم العلم سلاحهن في المستقبل.

تأتي هذه القصة كنموذج حي لنجاح مشروع "توفير خدمات سبل العيش للنساء والفتيات الأشد ضعفاً في اليمن"، الذي تنفذه مؤسسة فورهيومن للتنمية (FHD) بالشراكة والدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، ليرسخ بذار الأمل المستدام في قلب المجتمع المحلي ويبرهن أن الإرادة تصنع الكرامة.